أحمد بن علي القلقشندي

6

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

في السّكنات ، وتستدرّ على يده من مقامه الكريم غيوم البركات ، وتقرّر وسائلها بوساطة حظوته ، وتقصّر خطاها اعترافا بحقّه الواجب عن خطوته ؛ فعليه تدور أفلاك جماعاتهم كلَّما اجتمعوا وأتلفوا ، وبحجة فضله يزول إشكالهم مهما اختلفوا ، وبلسانه المبين يقرّر لهم ما أسلفوا ، وفي كنف رعيه ينشأ من أعقبوا من النّشأة وخلَّفوا ، وبإقدامه تنهض أقدامهم مهما توقّفوا ، فهو يعسوب ( 1 ) كتائبهم الملتفّة ، وفرزان ( 2 ) قطعهم المصطفّة ، وشهم ( 3 ) جوارحهم الفارهة ، وعين عيونهم النّابهة ، وتأويل أمورهم المتشابهة ، عن نظره يردون ويصدرون ، وبإشارته يريشون ( 4 ) ويبرون وآثاره يقتفون ، وبتلعة ( 5 ) دوّاره المرينيّ ( 6 ) في خدمة مقامه النصريّ يقفون ، فهو الذي لا تأنف أشراف القبائل من اقتفاء آثاره ، ولا تجهل رفعة مقداره ، فلبيته المزيّة بالحق ، المستوجبة للفخر بسابقة السعادة لعبد الحقّ ( 7 ) ، ولذاته قصب السبق ، ولوفائه الشّهرة في الغرب والشّرق . فليتولّ ذلك - تولَّاه اللَّه - منشرحا بالعز صدره ، مستمدّا ( 8 ) من شمس سعادته بدره ، معروفا حقّه معظَّما قدره ؛ فهي خطَّة قومه ، وفريسة حومه ، وطيّة أمسه ويومه ، وكفء خطبته ، ومرمى رتبته ، وحلي جيده ، ومظهر توفيقه وتسديده - مطلقا من عنان الثناء ، على أهل الغناء ، معاملا بصادق الإطراء ، لذوي الآراء ، متغمّدا بالإغضاء ، هفوات أهل المضاء ، معرّفا بالقبائل ، والعشائر والفصائل ، كلَّما

--> ( 1 ) اليعسوب : ملكة النحل ، وهي أنثى ، وكان العرب يظنونها ذكرا لضخامتها . ويقال : هو يعسوب قومه أي رئيسهم وكبيرهم ومقدّمهم . ( 2 ) الفرزان : الملكة من حجارة الشطرنج . قال في القاموس : وهو معرّب . ( 3 ) الشّهم : الصبور على القيام بما حمّل . والجوارح : الطيور الصائدة . ( 4 ) راش السّهم : ركب عليه الريش . يقال : فلان لا يريش ولا يبري أي لا يضرّ ولا ينفع . ( 5 ) التلعة : ما ارتفع من الأرض . ( 6 ) نسبة إلى بني مرين . وقد حكم المرينيون المغرب الأقصى من سنة 1195 إلى سنة 1470 م . أسس دولتهم عبد الحق بن محيو المتوفى سنة 1217 م / 614 ه ، وكان آخر ملوكهم عبد الحق ابن عثمان بن أحمد . ( أنظر الأعلام : 3 / 281 - 282 والموسوعة العربية الميسّرة : 1690 ) . ( 7 ) انظر الحاشية السابقة . ( 8 ) في ريحانة الكتاب « مشرقا » .